**بقلم: [نهرو النقي]**
بينما ينشغل العالم بالصراعات العسكرية، يخوض اليمن "حرباً بيولوجية" من نوع آخر، لا صوت لها سوى أنين التربة وصمت الحقول. بذور مهجنة "عقيمة" تغزو الأسواق، ومبيدات محرمة دولياً تُباع في "دكاكين" القرى، والنتيجة: انقراض تدريجي للبذور الأصلية التي صمدت لآلاف السنين، وتحول "قيعان" اليمن الخصبة إلى أراضٍ مسمومة لا تُنبت إلا المرض.
### **١. غزو "البذور العقيمة": فخ التبعية الغذائية**
لعقود، اعتمد المزارع اليمني في "قاع البون" وعمران وذمار على مبدأ "الاكتفاء الذاتي من التقاوي"؛ حيث يحتفظ بجزء من محصوله لزراعته في الموسم القادم. اليوم، تغير المشهد تماماً.
* **البذور المهجنة (Hybrid):** دخلت الأسواق اليمنية بوعود "الإنتاج الوفير" و"المنظر الجذاب"، لكنها بذور "لمرة واحدة فقط". إذا حاول المزارع استزراعها مجدداً، يفشل المحصول أو ينتج ثماراً مشوهة، مما يجبره على شراء بذور جديدة كل عام من شركات عالمية عبر وكلاء محليين.
* **خطر الانقراض:** يؤكد خبراء زراعيون أن التوسع في البذور المستوردة تسبب في تراجع زراعة "الأصناف البلدية" (كالذرة الرفيعة والقمح اليمني والبطاطس المحلية). هذه الأصناف الأصلية تمتلك "ذاكرة وراثية" تقاوم الجفاف والآفات اليمنية، وفقدانها يعني فقدان السيادة الغذائية للأبد.
### **٢. الأسمدة والمبيدات المهربة: "سموم إسرائيلية" في موائد اليمنيين**
لا تكتمل مأساة البذور إلا بالسموم التي ترافقها. تشير التقارير الاستقصائية إلى تدفق هائل للمبيدات المهربة، بعضها "إسرائيلي الصنع" أو محظور عالمياً لثبوت تسببه بالسرطان.
* **مافيا التهريب:** تُهرب هذه السموم عبر منافذ غير رسمية، وتُباع دون رقابة أو إرشادات. المزارع البسيط، وتحت ضغط الرغبة في ربح سريع، يستخدم جرعات مضاعفة من مواد مثل "الميثاميدوفوس" و"الغليفوسات".
* **الكارثة الصحية:** ربطت تقارير طبية في صنعاء وعدن بين الارتفاع الجنوني في حالات **الفشل الكلوي والأورام السرطانية** وبين متبقيات المبيدات في الخضروات والفواكه، وخاصة "القات" الذي يُستهلك يومياً بكميات كبيرة.
### **٣. شهادات من الميدان: "الأرض لم تعد تعرفنا"**
في محافظة عمران، يتحدث المزارع "هلال جودة" بمرارة عن محصول البطاطس المستورد من هولندا:
> "اشترينا البذور بمبالغ طائلة، وبمجرد أن بدأ النبات بالإثمار، تعفنت الجذور في التربة وانتشرت رائحة كريهة. اكتشفنا لاحقاً أنها مصابة بآفة 'الساق الأسود'. الأرض أصبحت 'صالبة' (غير صالحة) وكأن البذور المستوردة حملت معها فيروسات لم نعهدها من قبل".
>
### **٤. التبعات الكارثية على المدى البعيد**
* **تدمير البيئة الحيوية:** المبيدات المهربة تقتل النحل والطيور والحشرات النافعة التي توازن النظام البيئي اليمني.
* **تسميم المياه الجوفية:** تتسرب هذه السموم والأسمدة الكيماوية إلى أحواض المياه، مما يهدد بمستقبل مائي مسموم للأجيال القادمة.
* **إفلاس المزارعين:** يجد المزارع نفسه غارقاً في الديون لوكلاء البذور والمبيدات، بينما يتراجع عائد محصوله بسبب تدهور خصوبة تربته.
### **الخلاصة: هل من مخرج؟**
إن إنقاذ الزراعة اليمنية يتطلب "انتفاضة بذور". يجب تفعيل بنوك الجينات الوطنية، ودعم المزارعين الذين لا يزالون يحتفظون بالبذور الأصلية، وفرض عقوبات "جنائية" لا تقل عن عقوبات تجارة المخدرات على مهربي المبيدات المحرمة.
**اليمن الذي كان يُسمى "العربية السعيدة" بفضل زراعته، مهدد اليوم بأن يصبح "صحراء مسمومة" إذا استمر هذا الغزو الصامت.**
