بقلم الدكتور فوزي النخعي
بعيدًا عن المناطقية، وبمعزل عن كل أشكال التفرقة والعنصرية، يضرب أبناء مديرية جيشان أروع الأمثلة في الإنسانية والعمل الجماعي، ويقدمون درسًا عمليًا للجميع بأن الإنسانية ليست شعارات تُقال، ولا أحاديث تُتداول في القاعات المغلقة، بل أفعال ومواقف تُصنع على أرض الواقع.
هناك خلف الجبال، في منطقة يصعب الوصول إليها إلا عبر طرق وعرة تستغرق ساعات طويلة، تتشكل مبادرة إنسانية عظيمة عنوانها الإرادة والصبر والإيمان بأن الطريق إلى الحياة يجب أن يُصنع مهما كانت التحديات.
وهنا أتحدث مجددًا عن أبناء جيشان؛ تلك المديرية التي اعتاد أبناؤها أن يشقوا الطريق بأيديهم حين تغيب الجهات المعنية، والسؤال الذي يفرض نفسه على الدوام كم من منظمات المجتمع المدني تعرف أين تقع جيشان؟ وكم من الجهات الرسمية أو الإنسانية التفتت إلى احتياجات أبنائها ومعاناتهم؟
ورغم هذا الواقع الصعب، لم ينتظر أبناء جيشان يدًا تمتد إليهم، ولم يقفوا مكتوفي الأيدي ينتظرون من يغيثهم، بل أعلنوا قبل سنوات مبادرة لشق طريق المشعبة – لودر، في خطوة جسدت روح الاعتماد على الذات والإصرار على كسر العزلة.
وعندما اقترب الحلم من الاكتمال، جاءت ظروف الحرب والمواجهات العسكرية لتوقف المشروع، بعدما أصبحت المنطقة مسرحًا للأحداث، وتعذر استكمال الطريق والوصول إلى مركز المحافظة، لكن هل توقّف أبناء جيشان عن المحاولة؟
الإجابة بكل وضوح لا، بل عادوا من جديد، وبهمة الرجال وإخلاص الشباب، ليطلقوا مبادرة أخرى عبر مجموعة من شباب جيشان الأوفياء، وجمعوا التبرعات مرة أخرى من أجل إصلاح طريق ضراء – الطلح – مودية، مؤكدين أن إرادة الناس أقوى من كل العوائق.
إن ما يفعله أبناء جيشان ليس مجرد شق طريق، بل هو شقٌّ للأمل، وصناعة للحياة، وكسرٌ للعزلة التي طالما عانت منها هذه المديرية، وهي واحدة من مديريات محافظة أبين التي تستحق التفاتة حقيقية من الجميع.
ومن هنا أوجه نداءً عاجلًا إلى الدكتور مختار بن الخضر الرباش محافظ محافظه أبين، وإلى كافة المنظمات الدولية والوطنية العاملة في اليمن، وللى كافة منظمات المجتمع المدني المحلية، انظروا إلى جيشان، فهي جزء أصيل من أبين، وأهلها إخوتكم، ومعاناتهم مسؤولية الجميع.
جيشان لا تطلب المستحيل، بل حقًا من حقوقها في الطريق والتنمية والخدمات، وأبناؤها أثبتوا أنهم أهل عزيمة وصبر، وأنهم قادرون على صنع الحياة بأيديهم إذا غابت عنهم مؤسسات الدولة.
حفظ الله جيشان وأهلها، وبارك في كل يدٍ تبني وتصلح وتخدم الناس.
ودمتم سالمين
