بقلم: نهرو النقي | موقع النقي نيوز
شهدت الساحة السياسية اليمنية مؤخرًا حراكًا تنظيميًا لافتًا يُعيد رسم ملامح المستقبل السياسي للبلاد، وتمثل هذا الحراك في إطلاق البيان الثالث لـ "تيار استعادة دور المؤتمر الشعبي العام". هذه الخطوة الجريئة والشجاعة تأتي في توقيت بالغ الحساسية، حيث تعيش البلاد حالة من التجاذبات التي فرضتها سنوات الحرب والتشظي السياسي. ولا يمكن لعاقل أو محلل منصف إلا أن يرى في هذه الالتفاتة التنظيمية ضرورة حتمية، وخطوة وطنية مباركة لتصحيح المسار واستعادة التوازن المفقود في الخارطة السياسية اليمنية، بما يخدم استعادة مؤسسات الدولة وحمايتها.
تشخيص الواقع: أزمة شلل تنظيمي فرضتها الهيمنة الحوثية
لا يمكن فهم أهمية الحراك التنظيمي المعاصر دون الغوص في واقع الحزب المرير الذي فرضته ميليشيا الحوثي في مناطق سيطرتها. فمنذ أحداث ديسمبر 2017 واستشهاد مؤسس الحزب وزعيمه ورئيس الجمهورية الأسبق الزعيم علي عبد الله صالح، والأمين العام عارف الزوكا، تعرض المؤتمر في صنعاء لعملية تجريف ممنهجة وتحويله إلى "رهينة" وواجهة سياسية لشرعنة ممارسات الحوثيين.
المقرات مغلقة، والأنشطة مشلولة، ولا يمكن لعضو مؤتمري في مناطق سيطرة الجماعة التحرك أو الاجتماع إلا بأمر مباشر وتحت إشراف ما يُسمى "المشرف الحوثي". في المقابل، عانى الحزب في المناطق المحررة وفي الشتات الخارجي من تجنحات وانقسامات حادة عطلت قدرته القيادية على اتخاذ قرارات مصيرية تتناسب مع ثقله الجماهيري، وهو ما أدى إلى فجوة تنظيمية كبيرة وإحباط واسع في صفوف القواعد الشعبية للمؤتمر التي تُقدر بالملايين.
تيار استعادة الدور: مبادرة وطنية لا كيان موازٍ
من هنا تبرز الأهمية البالغة والمحورية للمبادرة التي أطلقتها مجموعة من قيادات وكوادر الحزب الأوفياء. إن تأييدنا المطلق لهذه الخطوة في "النقي نيوز" ينطلق من الفهم العميق لبيان التيار، والذي أكد بشكل قاطع أنه لا يهدف إلى إيجاد إطار موازٍ أو الانشقاق عن الحزب، بل يسعى جاهدًا لتعزيز وحدة المؤتمر، وإحياء مؤسساته التنظيمية المخترقة والمخدرة، وتشكيل قيادة مؤقتة قادرة على رأب الصدع والوقوف أمام التحديات الجسيمة.
إن معارضة هذه الخطوة أو اتهامها بـ "المشبوهة" أو أنها تهدد بتمزيق الحزب — كما ورد على لسان بعض القيادات في الهرم التشريعي والتنظيمي — يعد قراءة مجتزأة وغير دقيقة للواقع. فالتيار لا يملك هيكلية إقصائية بل يعتمد على القيادة الجماعية بهدف تجميع الطاقات، واستمرار حالة الصمت والتفتت هو الممزق الحقيقي للحزب والمستفيد الأوحد من هذا الوضع هو الميليشيا الحوثية التي تخشى بأس المؤتمر وكتلته البشرية المتماسكة.
لماذا يحتاج اليمن إلى "مؤتمر" قوي وموحد؟
التحليل السياسي الرصين يفرض علينا ربط استقرار اليمن بمدى فاعلية وقوة حزب المؤتمر الشعبي العام، وذلك لعدة اعتبارات استراتيجية:
حزب الدولة والمؤسسات:
لطالما كان المؤتمر حزبًا وسطيًا يدير مفاصل الدولة، وتؤكد الإحصاءات أن ما يقارب 80% من الكوادر الإدارية والأكاديمية والسياسية في مؤسسات الدولة والجامعات والقطاع الخاص ينتمون للمؤتمر أو يدورون في فلكه السياسي. ومن ثم، فإن تفعيل هذا الخزان البشري الكفء هو صمام الأمان لاستعادة مفاصل الدولة من الميليشيات الطائفية.
مركز التوازن السياسي:
يمثل المؤتمر الشعبي العام "تيار الوسط" العريض الذي يمنع انزلاق البلاد نحو التطرف والاقطاعيات السياسية والمذهبية. وتدرك القوى السياسية اليمنية الحية — بمختلف توجهاتها — أن غياب المؤتمر الموحد يُضعف الجبهة الوطنية ويسلم الساحة للأجندات المتطرفة.
حماية قيم الجمهورية ومرتكزات الحركة الوطنية:
إن معركة المؤتمر هي معركة وجودية ترتبط بالدولة؛ فالمؤتمر لا يستطيع العيش أو التنفس إلا في ظل دولة جمهورية تحمي السلام، التعايش، والتنمية. وبالتالي، فإن خطوة استعادة الحزب لدوره هي في جوهرها خطوة لاستعادة النظام الجمهوري الديمقراطي.
المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق القيادات
إن القيادات المؤتمرية المتواجدة في المناطق المحررة وفي العواصم العربية والعالمية أمام اختبار تأريخي حاسم. فالجلوس في مربع الانتظار وإدارة الصراعات البينية لم يعد خيارًا مقبولاً من القواعد الجماهيرية الغاضبة والمستاءة من حالة السكون الإستراتيجي.
إن الرهان اليوم هو على قدرة هذه القيادات على الاستماع لصوت العقل والالتفاف حول أهداف "تيار استعادة دور المؤتمر"، وتجاوز الحسابات الشخصية الضيقة. فالخيار بات حتميًا: إما دعم هذا التحرك الشجاع لإحياء الحزب ليكون فاعلاً ومحركًا أساسيًا في المعركة الوطنية، أو ترك هذا الكيان العريق ليموت سريريًا بفعل الزمن والهيمنة الحوثية، وهو ما لن تسمح به القواعد والقيادات الوسطى والشبابية الحية.
في الختام، نؤكد أن خطوة المؤتمر الشعبي العام المتمثلة في حراك استعادة الدور الوطني ليست ترفًا سياسيًا، بل هي طوق نجاة طال انتظاره لإنقاذ الحزب من التلاشي والارتهان، وتحريك المياه الراكدة في ملف استعادة الدولة اليمنية. إنها خطوة تستحق الدعم والتأييد والالتفاف من كل حريص على مستقبل الجمهورية والتعايش السلمي في يمن موحد ومستقر.
