لم تعد الحرب المستعرة في السودان مجرد صراع داخلي عابر على مقاليد السلطة بين الفرقاء، بل تحولت في مآلاتها وتداعياتها إلى انشطار جيوستراتيجي مرعب يهدد بعيد الأثر جغرافيا المنطقة بأسرها. لقد تجاوز الحدث أسوار النزاع المحلي ليأخذ شكل تفتيت مقصود يهدف إلى تحويل الدولة السودانية إلى أرخبيل دويلات نفوذ وظيفية تخدم مصالح القوى الكبرى، بينما تقف دول الجوار وتحديداً مصر والعمق الأفريقي أمام تهديدات وجودية حقيقية تمس الأمن المائي واستقرار الحدود الاستراتيجية.
أولاً: الجذور التاريخية وتشكيل الدولة.. إرث العنف والمركز والأطراف
لفهم مآلات الحاضر السوداني، لا بد من العودة إلى الجذور التأسيسية للدولة الحديثة. تشير القراءات التاريخية إلى أن عملية تكوين السودان أو ما يُعرف بإرث التكوين بدأت فعلياً مع غزو محمد علي باشا للسودان عام 1821، واكتملت لاحقاً، حيث كان السودان قبل تلك المحطة عبارة عن ممالك منفصلة ومتباينة مثل مملكة الفونج في الوسط، سلطنة دارفور في الغرب، ومملكة تقلي في كردفان.
هذه الدولة لم تنشأ كنتتاج لتوافق أو تضامن مجتمعي نابع من القاعدة، بل ولدت من رحم العنف وبأهداف محددة تمثلت في اكتشاف الذهب، وتأمين منابع النيل، والحصول على موارد بشرية وعسكرية. ومع مجيء الحقبة الاستعمارية الثنائية البريطانية المصرية عام 1898، تركزت استثمارات التنمية في المناطق الأعلى ربحية، وتحديداً في السودان الأوسط كمشروع الجزيرة وخزان سنار، بينما عانت الأطراف تهميشاً اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً واضحاً. هذا الحرمان النسبي بمفهومه المادي والمعنوي غذّى شعور الغبن لدى أقاليم السودان المختلفة، وحول الحركات المطلبية تدريجياً نحو التعسكر وحمل السلاح في مواجهة المركز العاجز عن إدارة التنوع.
ثانياً: من الاستعمار التقليدي إلى التقسيم الوظيفي.. اقتصاد الحرب والجهات المتصارعة
إن الحديث عن التقسيم في السودان ليس وليد الساعة، فجذور مشروعات فصل الجنوب تعود تاريخياً إلى قانون المقاطعة والمناطق المقفولة لعام 1930. غير أن الشكل المستجد للتقسيم اليوم لا يأخذ بالضرورة طابعاً جغرافياً رسمياً فحسب، بل يتخذ شكلاً أخطر يُعرف بالتقسيم الوظيفي، على غرار النماذج القائمة في ليبيا والصومال واليمن.
يقوم التقسيم الوظيفي على بقاء اسم الدولة موحداً شكلياً، بينما تتوزع السيطرة الفعلية داخلياً لصالح كيانات متصارعة مدفوعة بما يُسمى اقتصاد الحرب:
* غرب السودان: يمثل حكراً لثروات الذهب والمعادن والتحالفات العابرة للحدود.
* شرق السودان: يرتكز على الموانئ البحرية الاستراتيجية المطلة على البحر الأحمر وممرات التجارة العالمية.
* وسط السودان: يمثل العمق الزراعي والمؤسسي المنهك جراء العمليات العسكرية.
* العاصمة: تمثل الرمزية السياسية والعسكرية المدمرة.
هذا الواقع يمنح الأطراف الخارجية، من شركات أمنية دولية مثل الفيلق الأفريقي فاغنر وقوى كبرى، فرصة مثالية للاستفادة من هشاشة الدولة وضعف المركز للسيطرة على الموارد والممرات المائية دون الحاجة لإدارة إقليم مباشر.
ثالثاً: التقاطعات الإقليمية والدولية.. صراع المصالح على الموارد والسواحل
تتقاطع الأجندات الدولية والإقليمية بشكل معقد في الأزمة السودانية؛ فالولايات المتحدة، وروسيا، والصين، إلى جانب القوى الإقليمية ودولة الاحتلال الإسرائيلي عبر استراتيجية شد الأطراف وإضعاف القلب، تنظر إلى السودان من زاوية مصالحها الاستراتيجية المرتبطة بالتجارة البحرية، والتحكم في باب المندب، واحتياطات الذهب واليورانيوم، والموانئ الاستراتيجية.
وفي المقابل، تجد دول الجوار وفي مقدمتها مصر أن أي انهيار أو تفكيك رسمي للسودان يمثل تهديداً مباشراً لأمنها القومي واستراتيجية مياه النيل. أما دول الساحل الأفريقي فتتأثر سيولتها الأمنية بحركة تهريب السلاح والذهب والتحالفات القبلية العابرة للحدود.
رابعاً: مأزق النخب، ضعف الأحزاب، وأزمة النزوح الكارثية
لم تكن النخب السياسية ولا الأحزاب السودانية بمنأى عن المسؤولية؛ فمنذ الاستقلال، عانت البنية الحزبية من الهشاشة والانقسامات الشخصية والطائفية والقبلية، وغياب البرامج الوطنية الاستراتيجية القادرة على إدارة التنوع وتجاوز عسكرة السياسة. ومع تكرار إجهاض الفترات الانتقالية وتفويت الفرص الذهبية بدءاً من ثورة أكتوبر 1964 مروراً بانتفاضة 1985 وصولاً إلى ثورة ديسمبر 2018، غرقت البلاد في دوامة صراعات إيديولوجية أطاحت بالمصلحة الوطنية العليا لصالح المكاسب القطاعية الضيقة.
وقد ضاعفت كارثة النزوح الداخلي والهجرة الجماعية من مأساوية المشهد، إذ نزح ملايين السودانيين داخلياً وخارجياً، مما أدى إلى تدمير البنية التحتية، وتعطيل الكوادر المهنية والتعليمية، وضرب التركيبة الديموغرافية للوطن في مقتل، محولاً اللجوء إلى نجاة فردية بعيدة عن مفهوم الدولة الوطنية الجامعة.
خامساً: المخرج الآمن.. هل من فرصة لتسوية تاريخية معجزة؟
يواجه السودان اليوم ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
1. سيناريو التقسيم الوظيفي المستند إلى استمرار اقتصاد الحرب والسيطرة المتبادلة للأطراف.
2. سيناريو الوصاية الدولية القسرية تحت البند السابع إذا انزلق الوضع الإنساني نحو الانهيار الشامل.
3. سيناريو التسوية التاريخية الوطنية الشاملة.
وعلى الرغم من صعوبة السيناريو الأخير في ظل تعقيدات المشهد العسكري والجهوي، إلا أنه يظل الحل الأقل كلفة والأكثر ضماناً لاستمرار الدولة. وتتطلب هذه التسوية الخروج من الثنائيات المدمرة، والجلوس على مائدة حوار وطني شامل يضم لا الفصائل المسلحة وحدها بل كافة مكونات الطيف السوداني، بما في ذلك مؤسسات المجتمع المدني، الكفاءات، والأغلبية الصامتة.
إن إعادة بناء الدولة السودانية الحديثة على أسس نظام حكم فيدرالي عادل يستوعب التنوع، ويؤسس لدستور توافقي يفصل بوضوح بين ثوابت مؤسسات الدولة وبرامج الأحزاب المتحركة، هو طوق النجاة الأخير لإنقاذ السودان من مشارط التقسيم والتشظي، وإعادته إلى خريطة الاستقرار الإقليمي والدولي.
