إعداد: قسم التحقيقات والتقارير – موقع النقي نيوز
في واحدة من أجرأ وأبرز الشهادات التاريخية التي توثق حقبة حرجة من تاريخ اليمن الجنوبي والمنطقة، أعاد الرئيس الأسبق لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، الفريق علي ناصر محمد، فتح الملفات الشائكة والأسرار الكواليسية التي سبقت ورافقته أحداث الثالث عشر من يناير عام 1986. جاء ذلك خلال لقاء مطول ومكاشفة استثنائية ضمن برنامج "الذاكرة السياسية"، حيث سَلّط الضوء على تفاصيل دقيقة ومعلومات تُنشر للمرة الأولى حول طبيعة الصراع على السلطة، والخلافات الداخلية التي عصفت بالحزب الاشتراكي والدولة، وصولاً إلى التداعيات الإقليمية والدولية والإنسانية التي خلّفتها تلك الأزمة.
جذور التوتر: أيادي على الزناد وتحذيرات مبكرة
استهلت الشهادة بالوقوف عند المناخات المتفجرة التي سبقت الانفجار المسلح، حيث كشف علي ناصر محمد عن تلقيه تحذيرات أمنية ودبلوماسية مكثفة من شخصيات بارزة، من بينها سفير اليمن في لندن آنذاك صالح عبد الله مثنى، فضلاً عن إشارات واضحة نقلتها أطراف إقليمية ودولية تؤكد أن الخصوم السياسيين كانوا يبيتون النية لإقصائه وإسقاط مؤسسات الدولة.
وأوضح الرئيس الأسبق أن وتيرة الصراع بلغت ذروتها عندما بات الطرف الآخر مستعداً لحسم الموقف بالقوة العسكرية، مبيناً أن التقارير الاستخباراتية والمعلومات الميدانية كانت تشير بوضوح إلى وجود مخططات مسبقة تهدف إلى استهدافه شخصياً. وعندما تأكدت استحالة احتواء الموقف بالحوار نظراً لطبيعة الاستعدادات الميدانية، اتخذ قرار مغادرة العاصمة عدن لحقن الدماء وتجنب مزيد من التصعيد المفتوح، مؤكداً في الوقت ذاته أن ما جرى مثل خسارة وطنية فادحة لم تستثنِ أحداً، وكان يحدوه الأمل دائماً بأن يخلف تلك المرحلة زمنٌ أكثر استقراراً وازدهاراً للشعب اليمني.
ملحمة النزوح الكبرى: أكثر من مئة ألف نازح نحو الشمال
في تفاصيل إنسانية وعسكرية بالغة الأهمية حول تداعيات الاقتتال، أماط علي ناصر محمد اللامعرف عن حجم النزوح الهائل الذي رافق خروجه من عدن باتجاه الشطر الشمالي، مؤكداً أن قافلة النازحين تجاوزت مئة ألف مواطن، ضمّت مدنيين وعسكريين وقيادات سياسية وعسكرية رفيعة المستوى. ومن أبرز تلك الأسماء التي رافقته في هذا المنعطف الرئيس اليمني اللاحق عبد ربه منصور هادي، إلى جانب أغلبية أعضاء مجلس الشعب الأعلى ومعظم القيادات العسكرية للجيش الجنوبي.
واستحضر الرئيس الأسبق جانباً من الكواليس السياسية والمفاوضات الشاقة التي جرت مع القيادي الفلسطيني الراحل ياسر عرفات (أبو عمار) حول مصير العائدين، والتحديات الإدارية والمعيشية الجبارة المتمثلة في توفير المأوى، المدارس، العلاج، والمعسكرات وتأمين مرتبات واحتياجات هذا التجمع البشري الهائل، في تجربة إدارية وإنسانية فريدة من نوعها تم إدارتها بحنكة عالية لضمان استقرار العائلات والقيادات في المهجر.
لغز مصير عبد الفتاح إسماعيل: روايات متعددة وغموض مستمر
أخذ ملف اختفاء ومصير القيادي عبد الفتاح إسماعيل مساحة واسعة من النقاش العميق، حيث استعرض علي ناصر محمد الروايات المتضاربة التي أحاطت بواقعة مقتله. وشملت هذه الروايات التقارير الرسمية للجان التحقيق التي تحدثت عن مقتله داخل دبابة استهدفت أثناء الأحداث، مروراً بروايات أخرى زعمت تعرضه للتصفية أو خطفه، وصولاً إلى الشهادات التي أكدت أنه ظل على قيد الحياة لأيام عدة بعد خروجه من مقر القيادة، وتواصله مع مقربين ومع سفارة الاتحاد السوفيتي في عدن قبل أن ينقطع عنه الاتصال ويسدل الستار على مصيره بصورة غامضة.
ونفى الرئيس الأسبق الروايات التي تقلل من أهمية خطورة الخلافات الفكرية والسياسية بين أجنحة الحزب، مشيراً إلى الدور الإقليمي والدولي والاتصالات الدبلوماسية التي كانت تدور في كواليس تلك الأيام العصيبة بين الأطراف المحلية والوسطاء الدوليين.
مشروع الوحدة اليمنية: من مسار الحوار التدريجي إلى منعطفات الصراع
وفي البعد الوطني الاستراتيجي، دافع علي ناصر محمد بقوة عن سجله في الدفع نحو تحقيق الوحدة اليمنية، معتبراً أن مشروعه الوحدوي استند إلى خطوات مدروسة ومتدرجة بدأت بتوقيع اتفاقيات التعاون، وتوحيد المناهج التعليمية، وإقرار الدستور الموحد ومشاريع البنية التحتية المشتركة في ثمانينيات القرن الماضي. ورأى أن تلك الخطوات كانت تعكس رغبة حقيقية في بناء تكامل مؤسسي مستدام بعيداً عن المغامرات غير محسوبة العواقب، منتقدماً من وصفهم بالمعرقلين لمسار التدرج الوحدوي والذين فضّلوا استخدام لغة التصعيد والصدام.
طي صفحة الماضي ومساعي المصالحة الوطنية
اختتمت الشهادة التاريخية بالتأكيد على طي صفحة الخلافات والترسبات الماضية، حيث أشار علي ناصر محمد إلى أنه تجاوز تلك الحقبة المؤلمة وعقد لقاءات مصالحة وتواصل مع كافة القيادات التاريخية التي اختلفت معها في السابق، من أمثال علي سالم البيض، وحيدر أبو بكر العطاس، وغيرهم من الرموز السياسية في مناسبات مختلفة بدولة الإمارات العربية المتحدة ومصر وغيرها من العواصم، مؤكداً أن بناء المستقبل يتطلب استخلاص العبر والدروس من أخطاء الماضي وإعلاء المصلحة الوطنية العليا فوق كل اعتبار.
