صنعاء - النقي نيوز:
يمثل المشهد اليمني المعاصر امتداداً لقرون من التفاعلات المذهبية والسياسية التي شكلت هوية المنطقة برمتها. وفي قلب هذه التفاعلات يبرز "المذهب الزيدي" كأحد المكونات الرئيسية التي ارتبط تاريخها بحكم اليمن لقرون طويلة، قبل أن تتغير الخارطة السياسية في ستينيات القرن الماضي، ثم تعود للواجهة مجدداً في العقود الأخيرة عبر بوابات سياسية وعسكرية جديدة أثارت الكثير من النقاش الإقليمي والدولي.
تعود الجذور التاريخية للمذهب الزيدي إلى القرن الثاني الهجري، وتحديداً إلى الإمام زيد بن علي زين العابدين بن الحسين. وقد نشأ المذهب في بيئة الكوفة بالعراق إبان العصر الأموي، حيث قاد الإمام زيد ثورة ضد الحكم الأموي انتهت باستشهاده. وعلى الرغم من أن نشأة المذهب الفكرية كانت في العراق، إلا أن جذوره السياسية الحقيقية تمأسست واستقرت في اليمن؛ حيث نجح الإمام يحيى بن الحسين، الملقب بـ"الهادي إلى الحق"، في التوجه إلى اليمن، متخذاً من مدينة صعدة شمالي البلاد معقلاً رئيسياً ومؤسساً للدولة الهادوية التي جعلت من هذه المنطقة مركزاً روحياً وفكرياً للمذهب.
يتسم المذهب الزيدي بخصائص فقهية وعقدية فريدة تجعله، وفقاً لعلماء التاريخ والمذاهب، الأقرب من بين فرق الشيعة إلى أهل السنة والجماعة. ويظهر ذلك جلياً في موقفه الرصين من الصحابة، حيث لا يتبنى المذهب الزيدي التقليدي سب الصحابة، بل يُقر بصحة إمامة "المفضول مع وجود الأفضل"، مما يفسر اعترافهم التاريخي بخلافة أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان. كما يلتقي الفقه الزيدي في كثير من الفروع مع المذهب الحنفي، ولا يقر بـ"عصمة الأئمة" أو "التقية" أو "زواج المتعة". ويشترط المذهب في الحاكم أن يكون فاطمياً، عالماً، شجاعاً، وأن يقوم بالدعوة لنفسه خروجاً على الظلم، رافضاً مبدأ الوراثة المطلقة. ومع ذلك، ينقسم المذهب إلى عدة فرق فرعية، من أبرزها "الجارودية" التي تتبنى آراءً أكثر تشدداً وتعتبر الأقرب فكرياً إلى المذهب الاثني عشري.
وعقب قرون من الصراعات والمد والجزر مع القوى الإقليمية والدولية كالأيوبيين والعثمانيين، تمكن الزيديون من تأسيس "المملكة المتوكلية اليمنية" في القرن العشرين بقيادة الإمام يحيى حميد الدين. إلا أن العزلة السياسية والاقتصادية التي فُرضت على البلاد آنذاك أدت إلى تنامي السخط الشعبي، والذي توج بثورة السادس والعشرين من سبتمبر لعام ألف وتسعمائة واثنين وستين، حيث أُعلن قيام النظام الجمهوري وانتهى بذلك الحكم الملكي الزيدي التقليدي.
عقب قيام الجمهورية، عانت مناطق شمال الشمال اليمني من تهميش تنموي وخدمي، وتراجع دور مراكز التعليم الزيدي التقليدي. وفي محاولة لإحياء المذهب والحفاظ على هويته في مواجهة المتغيرات الفكرية الجديدة، تأسس منتدى "الشباب المؤمن" في صعدة بهدف الحفاظ على المذهب الزيدي وتقديم الخدمات التعليمية للشباب. إلا أن هذا المنتدى شهد تحولاً جذرياً مع انضمام حسين بدر الدين الحوثي، الذي نقل الحركة من إطارها الثقافي والتعليمي المحلي إلى إطار سياسي وعسكري منظم، عُرف لاحقاً بتنظيم "الحوثيين"، وترافق هذا التحول مع اقتراب فكري من الخط "الجارودي" وتنسيق سياسي واستراتيجي وثيق مع إيران.
وعقب سلسلة من المواجهات العسكرية مع الدولة اليمنية عُرفت بحروب صعدة، استغلت الحركة الحوثية الفراغ السياسي والأمني الناجم عن أحداث عام ألفين وأحد عشر. ومع حلول أواخر عام ألفين وأربعة عشر، تمكنت الحركة من السيطرة على العاصمة صنعاء ومعظم محافظات شمال اليمن. ورغم التدخل العسكري الإقليمي لاحقاً، استمرت الحركة في بسط سيطرتها على المحافظات الشمالية، مما أعاد نفوذ القوى المنتمية جغرافياً وفكرياً للمذهب الزيدي، بنسخته الحوثية المعاصرة، إلى سدة الحكم مجدداً، واضعاً اليمن أمام واقع سياسي واجتماعي معقد تتداخل فيه الهوية المذهبية التاريخية بالصراعات الجيوسياسية الراهنة في
المنطقة.
