
دخلت نيبال مرحلة حرجة في مواجهة واحدة من أسوأ الكوارث الطبيعية التي شهدتها مؤخراً، حيث ارتفع عدد المفقودين جراء الفيضانات المفاجئة والسيول الجارفة التي اجتاحت البلاد إلى 4,247 شخصاً، في قفزة حادة مقارنة بالحصيلة المعلنة يوم الأحد والبالغة 2,502 مفقود، بالتزامن مع ارتفاء عدد الوفيات المؤكدة إلى 903 قتلى.
وأوضحت الهيئة الوطنية للحد من مخاطر الكوارث وإدارتها في نيبال أن قائمة المفقودين تضم 3,655 مواطناً نيبالياً و592 أجنبياً، بينهما 933 عاملاً في مشاريع الطاقة الكهرومائية، و102 من أفراد الجيش والشرطة والجمارك. ويواصل فرق الإنقاذ عمليات البحث والتمشيط لليوم السادس على التوالي وسط الأوحال والمياه الطينية، وسط تضاؤل الأمل في العثور على أحياء مع انتشال عشرات الجثث يومياً.
وتتركز الجهود الميدانية بشكل مكثف على مواقع مشاريع الطاقة الكهرومائية المنكوبة؛ حيث تحاول فرق مشتركة من نيبال والهند الوصول إلى العمال المحتجزين داخل الأنفاق. وفي نفق محطة "تريشولي-3 إيه"، تمكنت فرق الإنقاذ من إحداث فتحة للنفوذ والبحث، غير أنها لم تتلقَّ أي استجابة من الداخل حتى الآن. وفي سياق متصل، تتمسك سيتا باندي بالأمل في العثور على زوجها العالق جيبلال أديكاري، مؤكدة أن وجود نظام للأكسجين داخل النفق يعزز فرضية بقائه على قيد الحياة، رغم أن هذا الأمل يتردد ضياعه مع مرور الوقت. وقدمت بعض عائلات الضحايا انتقادات لبطء إجراءات الإغاثة، مشيرة إلى أن عملية ضخ الهواء إلى داخل النفق كان يجب أن تبدأ قبل عطلة نهاية الأسبوع.
وفي منطقة "سانو بهاركو"، أظهرت المعاينة الميدانية لمدخل نفق مشروع "تشيليمي" للطاقة الكهرومائية استمرار فقدان ثمانية عمال، يُعتقد أن ستة منهم محاصرون في الداخل. واستجابة لحجم الأزمة، انضم فريق إنقاذ هندي متخصص في الأنفاق إلى الجيش النيبالي للعمل في موقعي "تشيليمي" و"لانغتانغ"، فضلاً عن وصول فريق هندسي وطبي شرعي هندي للمساعدة في تحليل الحمض النووي (DNA) والتعرف على جثامين الضحايا.
على الصعيد اللوجستي، تواجه عمليات الإغاثة عقبات جصيمة نتيجة تدمير شبكة الطرق الرئيسية والتقلبات الجوية الحادة. وأوصت الهيئة الوطنية للحد من مخاطر الكوارث بالاعتماد حصراً على المروحيات لنقل الإمدادات والمعدات العاجلة إلى المناطق المنكوبة المقطوعة، في وقت تتواصل فيه الجهود لفتح طرق بديلة. وفي بلدة "دونتشي" بمنطقة "راسوا"، يعاني السكان من انقطاع التيار الكهربائي واعتماد تام على المولدات، بينما تعاني الطرق المؤدية إلى العاصمة كاتماندو من الضيق والانزلاقات الطينية الصعبة.
وعلى المستوى الإنساني، أسفرت الفيضانات عن محو قرى بأكملها؛ ففي "سانو بهاركو" لم يعد قائماً سوى مبنى وحيد وسط منطقة قاحلة كانت تضج بالحياة، بينما تتوالى شهادات الناجين عن فاجعة الفقد المفاجئ، كقصة المواطنة كالبانا مالا من منطقة "نواكوت"، والتي فقدت والديها وشقيقتها وأطفالها في لحظات معدودة، ولم تنجُ إلا هي وابنها بعد لجوئهما لسطح أحد المنازل. كما جرفت المياه الأراضي الزراعية والمواشي والمخزونات الغذائية للمواطنين، مثلما حدث مع الناجية غوما بانديت.
وفي منطقة "شيتوان" الواقعة أسفل مجرى النهر، تبذل السلطات جهوداً لدفن مئات الضحايا المجهولي الهوية الذين جرفتهم السيول، حيث تم دفن نحو 200 جثة من أصل 272 جثة وصلت المنطقة، بعد أخذ عينات الحمض النووي لمطابقتها لاحقاً مع ذوي المفقودين.
وعلى الجانب الآخر من الحدود، أعلنت وسائل إعلام صينية رسمية عن مقتل 16 شخصاً وفقدان 546 آخرين في إقليم التبت، وسط انعدام المؤشرات على وجود أحياء منذ نهاية الأسبوع الماضي. وشهدت منطقة "غيرونغ" تصريفاً طبيعياً للبحيرة التي تشكلت خلف حاجز طبيعي، لكن التوقعات الجوية تشير إلى استمرار هطول الأمطار، مما يزيد من صعوبة عمل 117 رجل إطفاء و13 كلب إنقاذ يبحثون تحت طبقات طين تتجاوز الكثافة فيها متراً واحداً. ومن جانبها، ردت الخارجية الصينية عبر متحدثها قوه جياكون على اتهامات فرض الرقابة على فيديوهات السيول بالمعبر الحدودي، مؤكدة أن البيانات تُنشر بشفافية وانفتاح.
علمياً، يعكف الخبراء على دراسة الأسباب المحتملة للكارثة، وسط مؤشرات على دور للنشاط الجليدي. وفي حين يؤدي التغير المناخي إلى تسارع ذوبان الجليد في منطقة "هندوكوش والهيمالايا"، أشار العالم الجيولوجي دانيال شوغار من جامعة كالغاري إلى أنه من المبكر جزم العلاقة المباشرة للكارثة بالتغير المناخي، لافتاً إلى أن انحسار الأنهار الجليدية يزيد من احتمالات الانهيارات الأرضية. كما أوضح عالم علوم الأرض سايمون كوك من جامعة دندي أن ارتفاع الحرارة يذيب التربة الصقيعية التي تثبت المنحدرات الجبلية، ما يجعلها أكثر عرضة للانهيار.