منشور يتحدث عن ارتفاع مستويات الجسيمات المشحونة وطاقة هائلة تحيط بالأرض يعيد حزام فان ألن إلى دائرة الاهتمام.. فماذا يحدث فعلًا فوق كوكبنا؟ وما المخاطر الحقيقية إذا اشتد النشاط الفضائي؟
أثار منشور متداول على منصة «إكس» اهتمامًا واسعًا، بعد حديثه عن ظهور مستويات مرتفعة من الجسيمات المشحونة في الغلاف الجوي، وادعائه أن صورة مرفقة تُظهر «طاقة عملاقة تحيط بكامل الأرض وتخترق حزام فان ألن».
وجاء تداول المنشور بالتزامن مع الاهتمام العالمي بسلسلة الزلازل القوية التي شهدتها مناطق مختلفة من العالم خلال الأسابيع الماضية، الأمر الذي دفع البعض إلى التساؤل عما إذا كان هناك ارتباط بين النشاط الفضائي والزلازل.
لكن بين ما تظهره البيانات العلمية فعلًا وما يفسره مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي، توجد مسافة كبيرة.
ما هو حزام فان ألن؟
أحزمة فان ألن هي مناطق تحيط بالأرض وتحتجز جسيمات مشحونة عالية الطاقة، أبرزها الإلكترونات والبروتونات، بفعل المجال المغناطيسي للأرض.
وتوضح وكالة NOAA أن أحزمة الإشعاع ديناميكية للغاية، ويمكن أن تتغير استجابتها للظروف المتغيرة في الفضاء والطقس الفضائي، كما أن مستويات الإشعاع المرتفعة فيها تمثل بيئة قاسية للأقمار الصناعية.
وتوضح NASA أن أحزمة فان ألن يمكن أن تتمدد أو تنكمش وتتغير بنيتها نتيجة العواصف الشمسية والنشاط الفضائي.
هل اخترقت «طاقة عملاقة» حزام فان ألن؟
هنا تكمن أهم نقطة في القصة.
حزام فان ألن ليس جدارًا صلبًا يحيط بالأرض.
إنه منطقة ديناميكية من الجسيمات المشحونة المحاصرة داخل المجال المغناطيسي للأرض، وتتغير كثافتها وشكلها باستمرار.
وبالتالي، فإن ظهور مناطق مرتفعة في محاكاة الغلاف المغناطيسي أو ارتفاع مستويات الجسيمات والتيارات لا يعني تلقائيًا حدوث «اختراق خطير» للحزام أو أن طاقة هائلة ستصل إلى سطح الأرض.
بل إن العواصف الشمسية القوية تستطيع بالفعل إعادة تشكيل أحزمة الإشعاع. وقد أعلنت NASA أن العاصفة الشمسية في مايو 2024 أدت إلى تكوّن حزامين إشعاعيين مؤقتين إضافيين حول الأرض، أحدهما احتوى على بروتونات عالية الطاقة.
فما الخطر الحقيقي إذا اشتد النشاط الفضائي؟
الخطر حقيقي، لكن صورته تختلف عن الادعاءات المتداولة.
🛰️ الأقمار الصناعية
الجسيمات عالية الطاقة والعواصف الإشعاعية يمكن أن تؤثر في إلكترونيات الأقمار الصناعية، وتزيد احتمالات حدوث أعطال أو اضطرابات في بعض الأنظمة.
📡 الاتصالات وأنظمة الراديو
العواصف الشمسية والاضطرابات في الأيونوسفير يمكن أن تؤثر في الاتصالات الراديوية، خصوصًا الاتصالات التي تعتمد على الموجات القصيرة، وقد تؤدي إلى انقطاعات أو تدهور في جودة الإشارة.
🧭 الملاحة وتحديد المواقع
اضطرابات الغلاف الأيوني يمكن أن تؤثر في دقة إشارات GPS وGNSS، وهو أمر قد ينعكس على أنظمة الملاحة والتوقيت والخدمات التي تعتمد على تحديد الموقع.
⚡ شبكات الكهرباء
العواصف الجيومغناطيسية الشديدة يمكن أن تولد تيارات كهربائية مستحثة في شبكات الطاقة الموجودة على الأرض، ما قد يسبب اضطرابات في الشبكات، وفي الحالات الشديدة جدًا قد يؤدي إلى أضرار في بعض مكوناتها.
👨🚀 رواد الفضاء
يُعد الإشعاع الفضائي خطرًا أكبر على رواد الفضاء، خصوصًا خارج الحماية التي يوفرها المجال المغناطيسي للأرض، ولذلك تتم مراقبة النشاط الشمسي والبيئة الإشعاعية باستمرار قبل وأثناء المهمات الفضائية.
✈️ بعض الرحلات الجوية
يمكن أن تؤدي العواصف الشمسية القوية إلى زيادة التعرض للإشعاع على الارتفاعات العالية، ويكون التأثير أكثر أهمية بالنسبة للرحلات التي تمر عبر المناطق القطبية، حيث تكون الحماية المغناطيسية أقل مقارنة بمناطق أخرى.
هل يمكن أن تصل هذه الطاقة إلى سطح الأرض؟
المجال المغناطيسي والغلاف الجوي للأرض يوفران حماية مهمة من كثير من الجسيمات والإشعاعات القادمة من الفضاء.
لذلك فإن السيناريو الذي يصوره بعض المنشورات على أنه «طاقة عملاقة تخترق حزام فان ألن ثم تضرب الأرض مباشرة» لا يمثل الوصف العلمي الدقيق لما يحدث أثناء العواصف الشمسية.
لكن هذا لا يعني أن العواصف الفضائية بلا تأثير؛ فهي تستطيع التأثير بصورة كبيرة في الأقمار الصناعية والاتصالات والملاحة وشبكات الكهرباء والأنظمة الفضائية.
وهل يمكن أن تكون مرتبطة بالزلازل؟
هنا يجب التفريق بين الحقيقة العلمية والتكهنات.
حتى الآن، لا توجد أدلة علمية موثوقة تثبت أن اضطرابات الطقس الفضائي أو أحزمة فان ألن يمكن استخدامها للتنبؤ بزلزال محدد.
وتؤكد هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS) عدم وجود علاقة سببية مثبتة بين الطقس الفضائي والزلازل، كما أن العلم لا يملك حاليًا وسيلة موثوقة للتنبؤ بزلزال محدد من خلال النشاط الشمسي أو المغناطيسي.
ولهذا فإن تزامن منشور على منصة «إكس» مع وقوع زلازل لاحقة لا يكفي وحده لإثبات أن صاحبه تنبأ بها علميًا.
بين الحقيقة العلمية والمنشور المتداول
المثير في القضية ليس إثبات أن «طاقة عملاقة اخترقت حزام فان ألن»، وإنما أن الغلاف المغناطيسي للأرض وأحزمة الإشعاع أنظمة حقيقية ونشطة ومتغيرة باستمرار وتتأثر بالطقس الفضائي.
والخطر الحقيقي الذي يحذر منه العلماء يتمثل في تأثير العواصف الفضائية الشديدة على التكنولوجيا الحديثة، من الأقمار الصناعية والاتصالات والملاحة إلى شبكات الكهرباء والرحلات الفضائية.
أما ربط هذه الظواهر بوقوع زلزال محدد، فيحتاج إلى أدلة علمية وإحصائية متكررة، وليس مجرد توافق زمني بين منشور وزلزال.
