في تصعيد العسكري هو الأشد بين واشنطن وطهران منذ أشهر، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن الحملة العسكرية الأمريكية الجديدة ضد إيران "لن تستمر لفترة طويلة"، مؤكداً في الوقت ذاته جاهزية القوات الأمريكية لشن هجمات إضافية في أي وقت. وتأتي هذه التصريحات عقب جولة واسعة من القصف المتبادل شملت ضربات جوية وبحرية وصاروخية امتدت لمناطق عدة في الشرق الأوسط.
وأوضح ترامب في تصريحات للصحفيين بالبيت الأبيض أن الضربات الأمريكية الأخيرة نجحت في تدمير معدات إيرانية جديدة قرب مضيق هرمز، بينها صاروخ مخصص لزرع الألغام البحرية، إضافة إلى استهداف أنظمة رادار ودفاعات جوية ومواقع صواريخ كان الجانب الإيراني يحاول إعادة ترميمها. وفي خطوة تصعيدية غير مسبوقة ذات طابع رمزي وسياسي، اقترح ترامب إعادة تسمية "مضيق هرمز" ليكون "مضيق ترامب"، مستعرضاً عبر منصة "تروث سوشال" ونشرات البيت الأبيض خرائط تظهر الممر المائي الحيوي كـ"منطقة نفوذ أمريكية"، مشدداً على أن بلاده تفرض سيطرة شبه كاملة عليه وأن الاقتصاد الإيراني يعاني من انهيار متسارع.
وعلى الصعيد الميداني، شهدت المنطقة رداً إيرانياً واسع النطاق؛ حيث أعلن الحرس الثوري الإيراني والقوات المسلحة شن هجمات مكثفة بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة استهدفت القواعد والمصالح الأمريكية في الأردن والعراق والبحرين والإمارات، إضافة إلى تعرض الكويت لهجمات مماثلة. وكشف الجيش الأردني أن دفاعاته الجوية تعاملت مع 13 صاروخاً باليستياً، أسقطت 10 منها فيما سقطت 3 صواريخ في مناطق غير مأهولة دون خسائر بشرية. وفي إقليم كردستان العراق، أعلن الحرس الثوري استهداف قاعدة أمريكية في أربيل بمزيج من الصواريخ والمسيّرات، متحدثاً عن تدمير مراكز صيانة ومستودعات فنية ومنظومة مراقبة، فيما أعلنت الإمارات والسلطات البحرينية والكويتية التصدي لمسيّرات وإخماد حرائق ناتجة عن القصف.
وفي ملف أمن الملاحة البحرية، تصاعدت أزمة العبور في مضيق هرمز عقب إعلان شركة الملاحة الوطنية السعودية "البحري" مقتل بحارين فلبينيين إثر حادث أمني تعرضت له الناقلة "سدر" أثناء عبورها المضيق، وهو ما دانته وزارة الخارجية السعودية بشدة. وفي حين أشارت التقارير البحرية الدولية إلى إصابة الناقلة بمقذوفات مجهولة، أدعى الحرس الثوري الإيراني أن الناقلة انحرفت عن المسار المحدد واصطدمت بألغام بحرية. كما أعلن حرس الحدود الإيراني احتجاز سفينة تحمل 382 ألف لتر من الوقود المهرب واعتقال طاقمها الأجنبي المؤلف من 11 شخصاً في شمال الخليج.
إنسانياً، أثارت الضربات الأمريكية موجة غضب عارمة داخل إيران عقب سقوط ضحايا مدنيين؛ إذ أفادت وسائل إعلام رسمية بمقتل 19 شخصاً وإصابة نحو 70 آخرين في ضربات طالت جنوب وجنوب غربي البلاد، وكان أبرزها استهداف حفل زفاف في منطقة "كوهستك" بمحافظة سيريك، ما أسفر عن مقتل أربعة أشخاص بينهم طفل في الرابعة من عمره. ووصف المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، ورئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف، الهجوم بأنه "جريمة حرب شنعاء"، في حين اكتفت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) بالنيابة عن القوات الأمريكية بالحديث عن استهداف مواقع عسكرية للحرس الثوري، مؤكدة على لسان متحدثها تيم هوكينز أن الجيش الأمريكي "لا يستهدف المدنيين".
وفي ردود الفعل الإيرانية، هدد القياديون في الحرس الثوري وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي بتنفيذ استراتيجية جديدة تتضمن ردوداً "أشد وأكثر تدميراً"، معتبرين أن واشنطن ستندم على هجماتها. وعلى الجانب الآخر، حذر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس من أن إسرائيل مستعدة للرد "بقوة كبيرة وبشكل مستقل" في حال تعرضها لأي هجوم إيراني، مشيراً إلى تنسيق دفاعي وهجومي كامل مع الولايات المتحدة.
وعلى الصعيد الدولي والمالي، أعلن الرئيس الصيني شي جين بينغ خلال محادثات في القاهرة مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي استعداد بيكين للعمل مع دول المنطقة لحماية أمن الممرات الملاحية الدولية وضمان تدفق الطاقة. وفي الوقت نفسه، شرعت وزارة الخزانة الأمريكية في تحضير حزمة عقوبات اقتصادية مشددة تستهدف قطاعات الملاحة والطيران والأصول الرقمية الإيرانية.
وقد انعكست هذه التطورات مباشرة على الأسواق العالمية، حيث قفزت أسعار النفط لتتجاوز 90 دولاراً لبرميل خام غرب تكساس، وارتفعت أسعار الغاز في أوروبا إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات، بالتوازي مع تراجع الأسهم الآسيوية وحالة من الاستنفار الأمني والتحذيرات الأمريكية للرعايا في الشرق الأوسط.
