شهدت ساحة الصراع الإقليمي تصعيداً عسكرياً خطيراً وغير مسبوق، عقب إعلان القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) عن تنفيذ سلسلة ضربات جوية جديدة داخل الأراضي الإيرانية استهدفت مواقع تابعة لـ "الحرس الثوري الإيراني". وتأتي هذه التحركات الميدانية رداً على ما وصفته واشنطن بالهجمات الإيرانية الأخيرة التي طالت حركة الملاحة التجارية في مضيق هرمز الحيوية، إلى جانب استهداف أفراد ومواقع عسكرية أمريكية منتشرة في المنطقة.
وفور تنفيذ الضربات، وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحذيرات شديدة اللهجة إلى القيادة الإيرانية من مغبة الإقدام على أي رد عسكري، مؤكداً أن أي تحرك إيراني سيُقابل بهجمات "أشد وأقوى بكثير". وأوضح ترامب أن الهجمات الأمريكية جاءت كرد مباشر على زرع إيران ألغاماً بحرية في مضيق هرمز، وإطلاقها صواريخ استهدفت قاعدة تضم قوات أمريكية في الأردن. وشكّك الرئيس الأمريكي في قدرة النظام الإيراني على الصمود، قائلاً: "إذا ردت دولة إيران الفاشلة على هذا الهجوم المبرر تماماً، فستتعرض لضربة أخرى أشد وأقوى بكثير، لكن ذلك لن يكون الهجوم الأكبر على الإطلاق؛ فالضربة الكبرى لا تزال مرتقبة، وحين تنتهي، لن يتبقى سوى القليل جداً من الجمهورية الإسلامية الإيرانية". وعلى الرغم من هذه النبرة التصعيدية، عاد ترامب ليوضح في تصريحات صحفية من المكتب البيضاوي، وعبر شبكة "فوكس نيوز"، أن العودة إلى استهداف الأهداف الإيرانية لا تعني بالضرورة الانزلاق نحو حرب شاملة.
في المقابل، قوبل التهديد الأمريكي بوعيد حاسم من القيادة العسكرية الإيرانية؛ إذ أكد الحرس الثوري الإيراني أنه سيجعل الولايات المتحدة "تندم" على اعتداءاتها الأخيرة. وصرح المتحدث باسم الحرس الثوري، حسين محبي، عبر منصة "إكس"، بأن "عقاباً شديداً ينتظر المعتدين، وستندم الولايات المتحدة على هجماتها الجديدة". وفي السياق ذاته، أصدرت هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية ومقر "خاتم الأنبياء" بياناً رسمياً نقلته وكالة الأنباء الإيرانية (إرنا)، شددت فيه على أن القوات المسلحة ستوجه ضربات "ساحقة وموجعة للعدو الأمريكي الجبان والشرير"، رداً على العدوان الجوي الذي طال مواقع في محافظتي سيستان وبلوشستان (جنوب شرق) وهرمزجان (جنوب).
وعلى الأرض، أسفر القصف الأمريكي عن سقوط ضحايا مدنيين، حيث كشف نائب محافظ هرمزغان، أحمد نفيسي، للتلفزيون الرسمي الإيراني، عن مقتل شخصين وإصابة آخرين جراء استهداف منزل سكني كان يستضيف حفل زفاف في منطقة بندر كوهستاك التابعة لمحافظة سيريك. كما أفادت التقارير الإعلامية الرسمية في طهران بتعرض مطار جيرفت في محافظة كرمان لغارة جوية أمريكية، بالتزامن مع سماع دوي انفجارات متتالية شرق مدينة بندر عباس وحول جزيرة قشم. وفي محافظة سيستان-بلوشستان المطلة على مضيق هرمز، أكد المسؤول المحلي علي خليل آبادي سقوط أربعة مقذوفات استهدفت مناطق في مقاطعتي تشابهار وكونارك، دون الإفصاح عن حجم الأضرار الناجمة عنها. وتأتي هذه التطورات بعد مواجهة مباشرة جرت مساء الأحد، وقصف خلالها الجيش الأمريكي جزيرة لارك، لترد طهران باستهداف قواعد أمريكية بالمنطقة، في أول تبادل مباشر للهجمات منذ أواخر يوليو/تموز الماضي.
وعلى الساحة الدبلوماسية، ألقى الحراك الدولي بظله على الأزمة؛ إذ عقد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اجتماعاً مغلقاً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان في العاصمة القرغيزية بشكك، على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون. وأكد بوتين تضامن موسكو التام مع الشعب الإيراني في نضاله لحماية مصالحه، جازماً بأن العلاقات الاقتصادية والتجارية بين البلدين ستستمر بقوة رغم الظروف العسكرية والسياسية الراهنة. من جانبه، عبر بزشكيان عن امتنان بلاده لمواقف موسكو في الأمم المتحدة المحافل الدولية خلال فترات الحرب والسلم والعقوبات الأمريكية، مبيناً أن هذه التفاهمات ترتقي إلى مستوى "العلاقة الاستراتيجية" للوقوف بوجه "الأحادية" الأمريكية، في أول لقاء معلن بين الجانبين منذ اندلاع الحرب، وبعد لقائهما السابق في تركمانستان في ديسمبر/كانون الأول 2025.
ورغم حدة المواجهة، أظهر الرئيس الإيراني انفتاحاً مشروطاً على التهدئة، موضحاً أن طهران على استعداد للتراجع والالتزام الفوري ببنود الاتفاق المؤقت الموقّع في يونيو/حزيران الماضي لوقف الحرب، في حال أوفت واشنطن بتعهداتها، مجدداً التأكيد على أن الحرب ليست في مصلحة أي طرف وأن خيار التفاوض لا يزال مطروحاً. وتزامن ذلك مع تحذيرات قطريّة دعت الجانبين إلى العودة لطاولة المفاوضات، محذرة من أن استمرار إغلاق مضيق هرمز سيقود المنطقة إلى تصعيد خطير، لا سيما مع تمسك طهران بمنع حرية الملاحة في هذا الممر الحيوي لنقل النفط العالمي ما لم تُنفذ واشنطن بنود الاتفاق المبرم.
وفي إطار التضييق الاقتصادي، أعلن وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، عن حزمة إجراءات عقابية مرتقبة، تشمل فرض عقوبات على بنك إيراني هذا الأسبوع، وبنك آخر في الأسبوع الذي يليه، مشيراً إلى تلقي واشنطن دعماً كبيراً من حلفائها لخنق النظام الإيراني اقتصادياً، واستهداف شركات تأجير الطائرات والكيانات المتعاملة مع الحرس الثوري، إلى جانب تحذير الدول التي تجري تعاملات تجارية مع طهران. هذا الحصار البحري والاقتصادي دفع رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين، محمد باقر قاليباف، لスの دعوة المواطنين عبر كلمة متلفزة إلى ترشيد استهلاك الوقود، مظهراً حجم الصعوبات التي تواجهها البلاد في استيراد المشتقات النفطية لسد الاحتياجات المحلية، وحمّل في الوقت ذاته القطاع الصناعي جزءاً من مسؤولية الاستهلاك المرتفع.
وعلى صعيد السلامة البحرية، تتصاعد المخاطر في مضيق هرمز، حيث أفادت شركتا "ماريسكس" لإدارة المخاطر البحرية و"كبلر" لتتبع السفن، بأن مقذوفات مجهولة المصدر أصابت ناقلتي نفط عملاقتين تحملان خامات سعودية بفارق دقائق معدودة أثناء عبورهما الممر المائي متوجهتين إلى الخرج. واستهدفت المقذوفات الناقلة "سدر" التي ترفع علم السعودية على بعد 16.6 ميلاً بحرياً شمال شرق خصب العُمانية، يعقبها بأعقابه استهداف الناقلة "سنغال بروسبيريتي" التي ترفع علم ليبيريا بثلاثة مقذوفات شرقي خصب، ودون تسجيل إصابات بين أفراد الطاقم. وكانت الشركتان قد حمّلتا الناقلتين بـ 4 ملايين برميل من النفط من ميناء الجعيمة، بعد أن استأنفت "أرامكو السعودية" عمليات التحميل عبر المضيق في أغسطس/آب الماضي، فيما تحدثت وسائل إعلام إيرانية عن توقيف ناقلة نفط سعودية أخرى أثناء عبورها الممر الجنوبي للمضيق.
وعلى الجانب الأمريكي، أفادت الأنباء الميدانية بتوجه حاملة الطائرات الأمريكية "أبراهام لينكولن" التي تعمل بالطاقة النووية للرسو في ميناء لايم تشابانغ بالقرب من مدينة باتايا السياحية في تايلاند، لقضاء وقفة استراحة لطاقمها البالغ نحو 5 آلاف جندي حتى مساء الأحد. وتأتي هذه الاستراحة بعد 285 يوماً (نحو تسعة أشهر) من الإبحار والمشاركة في العمليات العسكرية الأولى ضد إيران، وسط تقارير وتنديدات داخلية في الولايات المتحدة كشفت عن تدهور ظروف المعيشة على متن الحاملة، وشح المواد الغذائية، وأعطال في الصرف الصحي، فضلاً عن سوء الحالة النفسية للبحارة والتي وصلت ببعضهم إلى التهديد بإلقاء أنفسهم في البحر.
