لا يتوقف دور الفن السابع عند حدود الترفيه واقتطاع ساعتين من الزمن بعيداً عن أعباء الحياة اليومية، بل يتجاوز ذلك في كثير من الأحيان ليتحول إلى عدسة مكبرة تكشف الحقائق الصادمة، وجسر ينقل أصوات المستضعفين إلى أرجاء العالم. يبرز الفيلم الوثائقي "سقوط حر: محاسبة بوينغ" (Freefall: A Reckoning for Boeing) كنموذج سينمائي جريء يمتلك "أنياباً" صحفية واستقصائية لا تهاب مواجهة الكبار، حيث يغوص في عمق إحدى أكبر أزمات الطيران المدني في التاريخ الحديث، متناولاً تداعيات كارثتي طائرات "737 ماكس" وما أعقبهما من تحذيرات وتجاوزات داخل شركة "بوينغ" الأمريكية العملاقة.
ولم تقتصر المخرجة روري كينيدي، بالتعاون مع الكاتب والمنتج مارك بيلي، في هذا العمل الممتد لـ 93 دقيقة والمتاح عبر منصة "نتفليكس"، على إعادة تذكير الجمهور بالكارثتين اللتين أودتا بحياة 346 شخصاً في إندونيسيا وإثيوبيا — والتي سبق وأن غطتها كينيدي في فيلمها "السقوط: القضية ضد بوينغ" عام 2022 — بل ينطلق الفيلم الجديد من نقطة التساؤل الجوهري: ماذا حدث بعد عودة الطائرة إلى الخدمة؟ وهل أصلحت الشركة الخلل الحقيقي أم اكتفت بترميم صورتها الذهنية أمام الرأي العام والجهات الرقابية؟
ويتخذ الوثائقي من الحادثة الفاجعة لوفاة جون بارنيت في مارس/آذار 2024 نقطة ارتكاز ودراما محورية؛ وبارنيت هو مهندس عمل في "بوينغ" لأكثر من ثلاثة عقود، قضى جزءاً منها في مصنع طائرات "787 دريملاينر" بولاية ساوث كارولاينا، قبل أن يتحول إلى أحد أبرز "المبلغين عن المخالفات" (Whistleblowers). وبينما كانت إجراءات الإدلاء بأقواله جارية في تشارلستون ضمن دعوى قضائية تتعلق بالمضايقات والانتقام المهني الذي تعرض له، عُثر عليه ميتاً برصاصة داخل سيارته، في حادثة انتهت التحقيقات الرسمية إلى تصنيفها كـ "انتحار".
ولا يستهدف الفيلم تحويل وفاة بارنيت إلى لغز جنائي، بل يسلط الضوء على ما تركه من إرث تحذيري يتعلق بضبط الجودة، مستعيناً بنحو 6 ساعات من التسجيلات الصوتية المسجلة معه قبل رحيله. يعود صوت بارنيت ليقود المشاهد إلى داخل مصانع "بوينغ"، كاشفاً عن الثمن النفسي والمهني الباهظ الذي دفعه لمواجهة إدارة فضلت خفض التكاليف وتسريع جداول الإنتاج على حساب معايير السلامة والأمان.
وتتسع دائرة الشهادات في الفيلم لتشمل موظفين ومهندسين ومبلغين آخرين يؤكدون تراجع سلطة القرار الهندسي أمام ضغوط الإدارة الإستراتيجية، وتزايد الاعتماد على موردين خارجيين، وسيادة ثقافة الخوف من الاعتراض. كما يتطرق العمل إلى الاختراق الرقابي والعلاقة المشبوهة بين "بوينغ" وإدارة الطيران الفدرالية الأمريكية (FAA)، وهي الجهة التي سمحت للشركة بالتفتيش على نفسها وإجازة طائراتها بنفسها، مما أدى إلى عجز النظام الرقابي عن فرض تغييرات جذرية تتناسب مع حجم الفاجعة.
وفي المقابل، يورد الفيلم ردود شركة "بوينغ" الرسمية عبر بيانات مكتوبة تؤكد فيها إجراء تغييرات شاملة في القيادة ونظم الجودة وثقافة السلامة، مشيرة إلى أن التهم لا تعكس الواقع الحالي. غير أن الوثائقي يواجه هذه التبريرات بالواقع العملي، مستشهداً بأحداث لاحقة، مثل حادثة انفصال سدادة باب إحدى الطائرات أثناء رحلة جوية وتعرّض أقنعة الأكسجين للخلل، ليثبت أن الأزمة ليست مجرد حادث منفصل، بل هي نتاج خلل هيكلي ممتد.
وفي سياق بصري معقد، يستعير الفيلم أدوات سينما الرعب والإثارة، حيث تتولى مقصورة الطائرة تحويل الخوف من مجرد سيناريو خيالي إلى رعب واقعي يعيشه المسافر عند تفكيره في رحلته القادمة. وتتضاعف هذه المخاوف بشكل جلي عندما يعرض الفيلم مقاطع لعاملين في مصنع "787 دريملاينر" بسوتا كارولاينا يقرون بصراحة عدم ثقتهم بالطائرات التي يشاركون أنفسهم في تصنيعها، ورفضهم السفر على متنها.
ينهي وثائقي "سقوط حر: محاسبة بوينغ" رسالته بوضوح: إنه يخوض معركة كشف الحقائق ضد سلطة المال والنفوذ، محولاً الكاميرا والوثائق وجلسات استماع الكونغرس إلى منصة بديلة للمحاسبة. وعلى الرغم من أن الفن لا يملك إصدار أحكام قضائية، فإنه يملك القوة لمنع الفساد من إعادة كتابة التاريخ، ويحمي أرواح 346 ضحية من النسيان، ليغدو الفيلم في نهاية المطاف فعلاً أصيلاً من أفعال المقاومة والعدالة.
