شريط الأخبار

"دير شبيغل" تطلق إنذار الخطر الأخير: الغزو الصيني يهدد عرش "مرسيدس" و"فولكسفاغن" في معقلهما التاريخي


في قراءة تحليليّة قاتمة لمستقبل قاطرة الاقتصاد الألماني، رسمت مجلة "دير شبيغل" صورة سوداوية لمصير قطاع صناعة السيارات في بلاد "محرك الاحتراق الداخلي"، معتبرة أن المنافسة الشرسة القادمة من الشرق الأقصى لا تهدد فقط حصص السوق، بل تضع أيقونات مثل "مرسيدس"، و"فولكسفاغن"، و"بي إم دبليو" أمام اختبار وجودي حقيقي قد ينتهي بإدراجها ضمن قوائم "التراث التاريخي".

ولم تبدأ المجلة الألمانية رحلة تقصيها لمصير هذا القطاع الحيوي من مدينة "شنجن" بجنوب الصين، حيث المقر الرئيسي لعملاق السيارات الصيني "بي واي دي" (BYD)، بل اختارت نقطة أقرب بكثير إلى قلب القارة الأوروبية؛ وتحديداً من مدينة "سِغِد" الواقعة جنوبي المجر على الحدود مع رومانيا وصربيا. ففي هذه المدينة، تضع "بي واي دي" -التي تبوأت صدارة مصنعي السيارات الكهربائية عالمياً- اللمسات الأخيرة على أول مصانعها في أوروبا. وبينما تتزاحم خلاطات الإسمنت وحافلات العمال اليوم عند بوابة المصنع البالغ عرضها 10 أمتار، سينقلب المشهد بحلول نهاية العام الجاري ليتدفق من هذه البوابة نحو 300 ألف سيارة كهربائية سنوياً لتغرق الأسواق الأوروبية المجاورة.

ولا ينبع الذعر الذي ينتاب التنفيذيين في الشركات الألمانية من مجرد نمو الصناعة الصينية، بل من نجاحها في اختراق أحدث وأهم المعاقل الأوروبية. ففي الوقت الذي تنتزع فيه "بي واي دي" الحصص السوقية لشركة "فولكسفاغن" داخل الصين نفسها، وتلتقم الضرائب المرتفعة أرباح الشركات الألمانية في الولايات المتحدة، تظل الأسواق الأوروبية الملاذ الأخير لسيارات "مرسيدس" و"بي إم دبليو" الفاخرة. واليوم، يتجلى السيناريو الأسوأ؛ إذ تتجه ألمانيا للتحول من موقع المبتكر والورشة العالمية للصناعة إلى مجرد "عنوان تجاري" سليم بلا روح، وسط تساؤلات حاسمة: هل فُوتت الفرصة بالفعل؟ وهل يقتحم الهجوم الصيني المعقل الأخير للسيارات الألمانية في أكثر لحظاتها حرجاً؟

تظهر الأرقام حجم الفجوة الهائلة؛ إذ أصبحت "بي واي دي" غولاً صناعياً حقيقياً ببيعها نحو 4.6 ملايين سيارة حول العالم خلال عام 2025، وهو رقم يوازي تقريباً مبيعات "بي إم دبليو" و"مرسيدس" مجتمعتين. وفي أوروبا وحدها، قفزت مبيعات الشركة الصينية بنسبة 150% خلال عام واحد، لتصل في النصف الأول من عام 2026 إلى نحو 175 ألف سيارة.

ولم تكن هذه الطفرة وليدة المصادفة، بل جاءت نتاج صدام بين نموذجين اقتصاديين؛ فبينما كانت "فولكسفاغن" وأخواتها يطورن السيارات الكهربائية بحذر وعلى مضض، كانت الصين تخطط منذ عقود للسيطرة على سلاسل توريد البطاريات والسيارات الكهربائية، مكوّنة قطاعاً ضخماً يتجاوز بإنتاجه القدرة الاستيعابية للسوق المحلية. وعلى عكس ما حدث في سبعينيات القرن الماضي عندما دخلت "تويوتا" اليابانية و"هيونداي" الكورية السوق الأوروبية بسيارات تقليدية في معقل محركات البنزين، تقدم الشركات الصينية اليوم سيارات كهربائية ليست فقط أقل سعراً، بل متفوقة تقنياً على نظيراتها الألمانية والأوروبية.

هذا الفارق الهائل يضع عمالقة ألمانيا أمام "صراع بقاء" حقيقي؛ إذ أقر رئيس مجموعة "فولكسفاغن"، أوليفر بلومه، بأن الفجوة الحادة في تكاليف الإنتاج لم يعد بالإمكان تغطيتها بمجرد وضع شعار "علامة ألمانية" على مقدمة السيارة. فالتفوق الصيني لا يعتمد فقط على الأجور المنخفضة، بل على كون "بي واي دي" صانعاً رئيسياً للبطاريات وتنتج غالبية مكونات سياراتها ذاتياً. ورداً على هذا الضغط الشديد، أعلنت "فولكسفاغن" وضع 4 من مصانعها في ألمانيا و100 ألف وظيفة حول العالم على المحك لإعادة هيكلة التكاليف.

وتعود جذور التحول الصيني إلى سبتمبر 2016، عندما أصدرت وزارة الصناعة الصينية مسودة قانون يفرض حصصاً إجبارية للسيارات الكهربائية اعتباراً من 2018. ورغم اتفاق المستشارة الألمانية السابقة أنغيلا ميركل والرئيس الصيني شي جين بينغ على تأجيل القرار عاماً واحداً بعد فوز دونالد ترمب في ولايته الأولى، إلا أن الصين كانت قد حسمت أمرها بالفعل. ومع أن بكين بررت الخطوة رسمياً بمكافحة التلوث، إلا أن الهدف الحقيقي كان سياسة صناعية صارمة؛ بعدما أدركت الشركات الصينية صعوبة منافسة "أودي" و"مرسيدس" في تقنيات محركات الاحتراق الداخلي، لتلتف على هذا التأخر بالتركيز الكامل على البطاريات، والبرمجيات، والقيادة الآلية، بدعم حكومي سخي.

في تلك الفترة، برز نجم "بي واي دي" التي تأسست عام 1995 كمصنّع لبطاريات الأجهزة الإلكترونية وكان يُنظر إلى سياراتها الأوليّة بسخرية. لكن نقطة التحول الكبرى حدثت مع تعيين مصمم السيارات الألماني فولفغانغ إيغر، القادم من بلدة أوبرسدورف، والذي شغل سابقاً منصب كبير المصممين في "أودي" قبل مغادرته مجموعة "فولكسفاغن" عام 2014. في عام 2016، أنشأ إيغر مركزا للتصميم في "بي واي دي" يضم ألف موظف، وتحول المشهد تدريجياً؛ فبعد أن كان المصممون يخجلون من طرازات الشركة الأولى الشبيهة بتقليد سيارات "تويوتا"، أطلق إيغر تصاميم جاذبة وعصرية وبسرعة إنتاج قياسية أربكت الحسابات الألمانية.

وفي حين تركز "بي واي دي" على الفئات الاقتصادية والإنتاج الضخم، تتولى شركات صينية أخرى مثل "إكس بنغ" (Xpeng) مهمة استهداف سوق السيارات الفاخرة، وهو المعقل الذي احتكرته "أودي" و"مرسيدس" لعقود. ورغم فشل محاولات سابقة لشركات مثل "نيو" (Nio) التي أغلقت ناديها الفاخر في هامبورغ ولم تبيع سوى 3 آلاف سيارة، إلا أن المراهنة الصينية المستمرة تتكئ على تغيير مفهوم الفخامة لدى الأجيال الشابة.

وفي هذا الصدد، يؤكد بيورن فيلتسل، المتخصص في أبحاث السوق، أن الاتصال الرقمي والتقنيات المبتكرة باتت العوامل الحاسمة للمستهلكين الجدد. فزبائن السيارات الفاخرة في الصين، وغالبيتهم في ثلاثينيات العمر، يقضون أوقاتاً طويلة داخل سياراتهم لمشاهدة الأفلام عبر شاشات ضخمة، ويرون أن السيارات الألمانية التقليدية باتت باهظة الثمن دون تقديم قيمة تقنية مضافة متناسبة مع سعرها، مما يفرض على "مرسيدس" و"بي إم دبليو" و"فولكسفاغن" خيارين لا ثالث لهما: إما خفض الأسعار أو تقديم قفزات تكنولوجية تبرر قيمتها المرتفعة.

وتختم "دير شبيغل" تحذيرها بالإشارة إلى أن المنافسة الصينية لم تعد تقتصر على صالات العرض، بل بدأت تقتحم القطاعات الخدمية والتجارية الحيوية مثل أسطول سيارات الأجرة (التكسي)، بفضل معادلة "السعر مقابل القيمة". وستكون الصدمة الحقيقية -بحسب المجلة- عندما يرى المواطن والسائح في ألمانيا سيارات الأجرة الصينية المطلية باللون الأصفر التقليدي وهي تنتظر أمام المعالم التاريخية والمطارات؛ إذ حينها فقط سيندرك الجميع أن السيارات الصينية لم تعد مجرد وافد غريب، بل أصبحت جزءاً أصيلاً من تفاصيل الحياة اليومية في قلب ألمانيا.

author-img
النقي نيوز

تعليقات

      ليست هناك تعليقات
      إرسال تعليق

        نموذج الاتصال

        websitemonafizamazonandroidfindersafariapplebasecampbehancebloggerchromedeliciousdeviantartdiscorddribbbledropboxellomessengerfacebookfirefoxflickrgithubgoogle-drivegoogle-playIEinstagramjoomlakafilkhamsatkicklanyrdlastfmlinkedinlinuxedgeonedrivewindowsmostaqlnpmoperapatreonpaypalpinterestquoraredditrenrenrsssina-weiboskypesnapchatsoundcloudstack-overflowsteamstumbleupontelegramthreadstiktoktradenttrellotumblrtwitchtwittervimeovinevkwhatsappwordpressXxingyahooyoutube